الموازنة بين الحماية القانونية لحق المجتمع في الإعلام والمسؤولية المدنية للصحفي
جاري التحميل...
التاريخ
المؤلفين
عنوان الدورية
ردمد الدورية
عنوان المجلد
الناشر
مجلة روح القوانين ــ كلية الحقوق ــ جامعة طنطا
خلاصة
في عصر المعرفة وانتشار وسائل الإعلام من مرئية ومسموعة ومقروءة وغيرها، أصبحت مهنة الصحافة من أكثر المهن أهمية، والتي يمكن أن تشكل عاملًا أساسيًا في رفعة المجتمع، وبناء قيمه، والمحافظة على عقائده الدينية الثابتة وما يتماشى مع عاداته وتقاليده، كما أنها من أكثر المهن تأثيرًا على توجهاته السياسية والاقتصادية والمعرفية كذلك، بل والعمل على حمايتها باعتبارها رقيبًا على السلطات الثلاث العليا في الدولة، وعلى الرغم من ذلك إلا أنها قد تشكل مساسًا كبيرًا بالمبادئ والقيم والمثل العليا التي يقوم عليها المجتمع خاصًة في بلداننا العربية التي ما زالت تتمسك بالأسرة كنواة للمجتمع، ومازالت التعاليم الدينية هي المتبعة لدى الغالبية العظمى من فئات المجتمع، وذلك إذا ما خالفت الحدود القانونية لحرية الصحافة الممنوحة لها، فحرية الصحافة مقدسة في جميع الأنظمة القانونية، ولا يمكن المساس بها أو تقييدها، إلا أن حق المجتمعات المخاطبة بما تنشره الصحف والمجلات والإذاعات المرئية والمسموعة، في العلم والمعرفة الحقيقية الهادفة المحترمة لكل ثوابتها وقيمها، يعد قيدًا يقف في مواجهة تلك الحرية، وعليه قد يتخيل البعض أن تلك القيود من شأنها أن تحول بين الصحافة وحرية ممارسة أعمالها، وهذا التصور غير صحيح، سيما لو علمنا بأن هذه القيود ما هي إلا استثناءات أوردتها القوانين للحفاظ على القيم العليا في هذه المجتمعات، ولذا فقد حرصت التشريعات الوطنية ذات الصلة، في كل من جمهورية مصر العربية والمملكة العربية السعودية و غيرها من الأنظمة القانونية على تأكيد مبدأ حرية الصحافة والنشر، وكذلك حرية الصحفي في تعدد مصادره، وإخفاء هذه المصادر، والتزامه بما يعرف بالسر المهني في هذا الشأن، وفي ذات الوقت حرصت على تقييد تلك الحرية بحدود معينة، تعد بمثابة خطوط حمراء لا يجوز للصحفي تخطيها، أو الاعتداء عليها ، وقد جاءت تلك الالتزامات منصوصًا عليها بشكل صريح سواء في قانون تنظيم الصحافة المصري رقم96 لسنة 1996، أو قانون المطبوعات والنشر السعودي الصادر بالمرسوم الملكي رقم م/32 في 03/09/1421هـ واللائحة التأسيسية للصحفيين السعوديين وتعديلاتها كما سنرى ذلك خلال هذه الدراسة، وبازدياد انتشار وسائل الإعلام المرئية والمسموعة والمقروءة وحرص النظم القانونية على تنظيم ممارسة مهنة الصحافة والإعلام، بما فيها سلطات الصحفي وحدود صلاحياته وحريته، والمحاولات المستمرة نحو تقييد هذه الحرية بقيود يفرضها حق المجتمع في الاحتفاظ بقيمه ومبادئه ومثله العليا، أدى ذلك بالتوازي إلى زيادة الدراسات الفقهية المتعلقة بمسئولية الصحفي المدنية، عن انتهاكه للحقوق، والاعتداء على الحياة الخاصة، والتي تعتبر أكثر الصور إثارة للمسؤولية المدنية للصحفي، وتحديد اطارها القانوني، والبحث عن الأساس القانوني لقيامها، إلا أن مسؤولية الصحفي من الناحية المدنية لا تنشأ فقط في حال وقوع صورة من صور انتهاك الحياة الخاصة للأفراد، وإنما من المتصور أن تقوم تلك المسؤولية حتى ولو كان الانتهاك الحاصل بعيدًا عن الحياة الخاصة بشكلٍ مباشر، وإنما يمس حقوق المجتمع بصفة عامة، وهذا النوع من المسؤولية لم تعالجه أبحاث الفقه القانوني في كثير من الأحيان، حيث ركزت في جلها على انتهاك الصحافة والإعلام للحياة الخاصة، أما عن انتهاك الصحافة لمبادئ المجتمع وقيمه ومثله وحقه في العلم والمعرفة الصادقة النزيهة، بطريقة تتفق وأخلاقياته السائدة، وبما لا يؤدي إلى اشاعة الفاحشة والفتنة بين أبنائه، خاصة الفئات الأكثر تأثرًا بما يوجه إليهم كالمراهقين والأطفال، وضعاف العقيدة والنفوس، فلم تسهب الدراسات القانونية في هذا الشأن، ولم تتطرق إلى تحديد مسؤولية الصحفي عن الأضرار التي يمكن أن تلحق بأحد أفراد المجتمع نتيجة ما تم نشره أو بثه حتى ولو لم يكن موجهًا إلى المضرور بشكل مباشر، وأيًا كان الأمر فإن مسؤولية الصحفي سواء عن انتهاك الحياة الخاصة، أو حتى حق المجتمع في العلم الصادق والنزيه، غالبًا لا تقف عنده فقط، بل تمتد لتشمل أيضًا مسئولية أشخاص آخرين تشملهم الرابطة الصحفية، سواء كانوا على رأس تلك الرابطة كرئيس التحرير أو المحرر المسئول، أو أسفل من التسلسل الإداري للصحفي المسؤول كالمعاون والمعد وغيرهم